برينتفورد: فن بناء اللعب من الخلف
استعراض تكتيكي لمنهجية توماس فرانك في بناء اللعب من الخلف خلال الموسم الحالي من الدوري الإنجليزي من حيث نقاط القوة والضعف، و توضيح كيف يمكن إيقاف هذه الخطط
لا شك بأن فريق برينتفورد يعد من ألمع النجوم في سماء الدوري الإنجليزي منذ بداية الموسم الحالي، حيث حقق رقما قياسيا لم يتحقق على الإطلاق بالتسجيل في الدقيقة الأولى لثلاث مباريات تواليا ومن ثم في الدقيقة الثانية في المباراة الرابعة. رقم يسلط المزيد من الأضواء على العمل الرائع الذي يقدمه المدرب الدنماركي توماس فرانك والذي يعد من المدربين الذي يمتلكون أسلوبا تكتيكيا مميزا، وكذلك رحلة صعود ملهمة. رحلة الصعود من دوري الدرجة الأولى لدوري الأضواء كانت مثيرة جدا، من إنهاء لموسمه الأول على رأس القيادة الفنية للفريق في المركز الحادي عشر، ومن ثم الوصول لمرتين متالتيتين للتصفيات النهائية للصعود، ليفشل في المرة الأولى وينجح في الثانية في نهاية موسم 2020/2021 في التأهل للدوري الإنجليزي للمرة الأولى في تاريخ النادي.
تحت قيادة المدرب الدنماركي خطى الفريق أولى خطواته في الدوري الإنجليزي في موسم 2021/2022 ومنذ تاريخه يقدم الفريق أداء يتسم بالمباشرة والعمودية، جنبا إلى جنب مع بناء اللعب من مناطق متأخرة وتفعيل لدور الأطراف في التقدم نحو منطقة الجزاء، حتى أنه تلقى العديد من الإشادات من منافسيه والذين كان اخرهم بيب جوارديولا الذي أثنى عليه بعد المباراة الأخيرة بين برينتفورد ومانشستر سيتي ضمن منافسات الدوري الإنجليزي، وصرح بعد المباراة بأنه من أشد المعجبين بتوماس فرانك، كذلك أنه لا يتذكر أنه شاهد خلال 8 أو 9 سنوات فريقاً يلعب ضده بهذه الطريقة.
أكثر سرعة، أكثر مباشرة
لا شك أن ثمانية سنين ضمن الجهاز الفني لبرينتفورد كمدرب مساعد ومن ثم مديرا فنيا بداية من موسم 2018/2019 في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي حتى الوصول للدوري الإنجليزي كانت كفيلة بتطوير منهجية صلبة متماسكة ونظام ثابت لا يتأثر بتغير الأسماء داخله، يهتم ببناء اللعب من المناطق الخلفية، والاختراق عبر الأطراف وصولا إلى تهديد منطقة الجزاء عبر التمريرات العرضية، جنبا إلى جنب مع التميز في الضربات الركنية.
في إحصائية قام عليها موقع The Analyst المختص بتحليل منافسات الدوري الإنجليزي، وبنظرة على أنظمة لعب الفريق بنهاية الدوري في موسم 2021/2022 وهو الموسم الأول لبرينتفورد في الدوري الإنجليزي، يتقدم الفريق للأمام أثناء حيارته للكرة بمعدل 1.67 متر/ثانية ما يعد عند مقارنته بالكبار الستة أسرع منهم جميعا، وبمتوسط عدد تمريرات أقل منهم جميعا بمتوسط 2.76 تمريرات وبمتوسط 7.08 ثوان في الهجمة الواحدة.
عبر نفس الإحصائية في الموسم المنصرم 2023/2024، نجد الفريق يتقدم للأمام أثناء حيارته للكرة بمعدل 1.95 متر/ثانية ، وبمتوسط عدد تمريرات يقارب 3 تمريرات وبمتوسط 8.07 ثوان في الهجمة الواحدة، ما يعني أنه خلال ثلاثة مواسم أصبح الفريق أكثر سرعة ومباشرة، أكثر تمريرا، وأطول استحواذا مقارنة بالموسم الأول.
أهمية حارس المرمى أثناء بناء اللعب
ثماني سنوات ضمن الجهاز الفني لبرينتفورد كمدرب مساعد ومن ثم مديرا فنيا بداية من موسم 2018/2019 في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي حتى الوصول للدوري الإنجليزي كانت كفيلة بتطوير منهجية صلبة متماسكة ونظام ثابت لا يتأثر بتغير الأسماء داخله، يهتم ببناء اللعب من المناطق الخلفية، والاختراق عبر الأطراف وصولا إلى تهديد منطقة الجزاء عبر التمريرات العرضية، جنبا إلى جنب مع التميز في الضربات الركنية.
نظام اللعب الذي يعتمد بناء اللعب من المناطق الخلفية مبدأ من مبادئه الأساسية يفرض وجود عناصر في خط الدفاع وحراسة المرمى قادرين على الاستحواذ وتدوير الكرة بجودة عالية، بجانب قدرة حارس المرمى تحديدا على المشاركة في بناء اللعب عبر توجيه الاستحواذ نحو الأطراف وإيجاد الحلول من خلال التمريرات القصيرة والطويلة. في الإحصائية أدناه من موقع fbref لعدد اللمسات في مناطق الملعب خلال الجولات الأولى من الموسم الحالي للدوري الإنجليزي، نجد أن برينتفورد هو أكثر الفرق لمسا للكرة في الثلث الدفاعي، كذلك الأكثر لمسا للكرة في منطقته الدفاعية على مستوى الدوريات الخمس الكبرى كذلك، مؤكدا لاعتماد الفريق بشكل أساسي على حيازة الكرة في الثلث الدفاعي بحثا عن الاختراق والوصول للمناطق الهجومية.
ما يبرهن على أهمية حارس المرمى أثناء مرحلة بناء اللعب في فريق برينتفورد هو عدد المرات التي لمس فيها حارس المرمى مارك فليكن للكرة مقارنة بجميع حراس المرمى في الدوري، حيث احتل المرتبة الأولى بعدد 403 تمريرة، بفارق 82 تمريرة عن روبرت سانشير حارس مرمى نادي تشيلسي في المرتبة الثانية، ما يعني دورا محوريا لحارس المرمى بجانب الخط الخلفي في الحفاظ على الاستحواذ.
الخروج من الأطراف
بنظرة على أحد الطرق التي اتبعها برينتفورد في الخروج بالكرة وطبقها في مباراة مانشستر سيتي تحديدا في الشوط الأول الذي شهد تفوقا تكتيكيا لبرينتفورد بشكل كاسح، لا بد في البداية من توضيح التمركز الدفاعي لمانشستر سيتي أثناء الضغط العالي، حيث كان يتبادل هالاند ودي بروين الضغط على حامل الكرة من جهة وإغلاق اتجاه التمرير من الجهة الأخرى، مع تواجد سافينهو و جريليش في أنصاف المساحات للدفاع عند وصول التمريرات نحو الأطراف، بجانب تقدم كوفاسيتش وجوندوجان وتضييق الخناق على جانيلت ونورجارد أثناء محاولتهما النزول لاستلام الكرة، مع التزام الخط الخلفي بالرقابة رجلا لرجل وتواجد الظهير في الاتجاه المعاكس للكرة كلاعب حر.
في المقطع أدناه، نجد انضمام حارس المرمى إلى قلبي الدفاع كحل لتوفير الزيادة العددية أمام هالاند ودي بروين، مع محاولة نورجارد و جانيلت التقدم لاستلام الكرة بين خطوط مانشستر سيتي، وكذلك عودة ويسا للعمق قليلا لإشغال كوفاسيتش ومنعه من الضغط على جانيلت من الخلف، ما يعطي فرصة باقتراب الظهير كولينز وإشغاله لسافينهو لوضعه في حيرة بين التقدم لاستخلاص الكرة أو العودة للدفاع على الأطراف، ما يؤدي في النهاية لخروج الكرة عبر كولينز إلى جانليت الذي يتبادل التمرير مع كولينز المتقدم نحو وسط الملعب بدون ضغط، مع عدم قدرة والكر على الضغط المتقدم لوجود لويس بوتر بجواره لتثبيته.
في محاولة أخرى ضمن نفس الهجمة، يستمر نفس التوجه في الخروج عبر الأطراف ولكن باستغلال ويسا ولويس بوتر هذه المرة: الأول في إشغال جون ستونز وإخراجه من تمركزه و من ثم استغلال المسافة الواسعة بينه وبين أكانجي لاختراقها وصولا للثلث الأخير، والثاني بسحب الظهير والكر وتفريغ المساحة خلفه لإمكانية تقدم كولينز للأمام من خلالها، بالإضافة إلى التمريرة القطرية نحو الأمام مباشرة للويس بوتر بدلا من الوصول عبر التمريرات القصيرة لكولينز ومن ثم لويس بوتر، ما يعني سرعة أكثر في الهجوم والتقدم.
في حال استطاع دفاع السيتي تشتيت الكرة، هنا تأتي مهمة وسط ملعب برينتفورد في الاسترجاع السريع للكرة ومن ثم التحول الهجومي نحو المرمى ومحاولة استغلال الثغرات الموجودة في خط الدفاع للوصول لمنطقة الجزاء.
على الجانب الآخر كان ريكو لويس يواجه مباراة قاسية جدا أمام إييرالذي كان هدف التمريرات القطرية من فليكن، حيث كانت مهمة إيير هي حجز ريكو لويس ومنعه من افتكاك الكرة، بجانب حمل الكرة لحين توفر خيار تمرير مناسب يسمح له بالتقدم للأمام بعد تسليم الكرة، وتوفير نفسه في وضع يسمح له باستلام التمريرة القطرية من الاتجاه المعاكس عبر جانيلت التي كانت تقع على عاتقه مهمة تغيير اتجاه اللعب.
بنظرة على أماكن بداية التمريرات خلال هذه المباراة تحديدا، نجد أن الثلث الدفاعي بالتحديد منطقة الجزاء هي أكثر المناطق التي يبدأ التمرير منها، حيث تشكل منطقة الجزاء وحدها ما نسبته 16.49% من إجمالي التمريرات خلال المباراة عبر81 تمريرة من أصل 491، كما نجد أن الممرات الخارجية تبدأ منها تمريرات أكثر مقارنة بأنصاف المساحات ما يدعم نظرية الخروج بالكرة عبر الأطراف بالتمريرات القطرية.
استمر برينتفورد في الضغط على الجبهة اليمنى للسيتي حيث يوجد والكر وستونز تحديدا، حيث بتدوير الكرة يمينا ويسارا بين قلبي الدفاع والأظهرة تصبح المسافة التي يجب على هالاند أو دي بروين قطعها لاستخلاص الكرة أطول ما يعني إجهادا أسرع، وبنزول لويس بوتر و ويسا للعمق قليلا وسحب والكز وستونز مع عدم وجود دعم دفاعي كاف؛ هنا تتوفر المساحات تحديدا لبوتر للركض والتقدم نحو الثلث الأخيرومحاولة إيجاد الحلول في الثلث الأخير عبر التمرير العرضي باتجاه القائم البعيد للقادمين من الخلف لمحاولة خلق هجمة خطيرة قد ينتج عنها هدف.
تغيير اتجاه اللعب عبر وسط الملعب
فكرة أخرى استخدمها برينتفورد خلال مباراة وولفز ما يبرهن على تنوع الأفكار المستخدمة خلال مرحلة بناء اللعب، ولكن مع استمرار نفس التنظيم أثناء بناء اللعب بوجود قلبي الدفاع على مساحة واسعة من منطقة الجزاء، وعودة ثنائي الارتكاز لمحاولة الاستلام بين الخطوط وشغل انتباه لاعبي وولفز الذين يدافعون بشكل مختلف عن السيتي على سبيل المثال بمهاجم وحيد وخلفه رباعي بعرض الملعب لتأمين وسط الملعب والممرات الخارجية.
هذا التنظيم الدفاعي ينتج عنه لاعب حر في وسط الملعب (غالبا ما يكون دامسجارد) وهنا تكمن الفكرة، حيث من خلال التمريرات القطرية لوسط الملعب وبمساعدة اللاعب الحر في وسط الملعب (دامسجارد-جانيلت) يمكن تغيير اتجاه اللعب من اليمين إلى اليسارعبر الممر المركزي، وبوجود مبيويمو ولويس بوتر بمقربة من خط التماس ومنعهم لأظهرة وولفز من المساندة الدفاعية على الأطراف فإن ذلك يعطي مساحة مناسبة للأظهرة للتقدم لاستلام التمريرة وتطوير الهجوم على الأطراف استغلالا للزيادة العددية على أظهرة وولفز.
في المقطع أدناه نجد تنفيذا واضحا للفكرة، حيث أن تحرك دامسجارد بعرض الملعب أثناء حيازة كولينز للكرة وفر خيار تمرير متاح في المنتصف، وفي نفس الوقت قدرة دامسجارد على حماية الكرة بجسده من اندفاع أندريه لاسترجاع الكرة وبعد ذلك تمريرها بشكل عمودي إلى جانيلت أتاح بدوره فرصة تمرير قطري إلى إيير في الاتجاه المعاكس تماما، ولم يكن ذلك ليتم لولا استغلال مبدأ الرجل الحر وتطويعه لتغيير إتجاهات اللعب وتوفير سياقات أفضل للفريق للتقدم نحو منطقة الجزاء.
نجد في المقطع تغييرا واضحا في طريقة الخروج بالكرة التي تم الاعتماد عليها بدلا من الاستمرار في الاعتماد على الأطراف و استغلال الزيادة العددية بمساعدة أحد الأجنحة أو لاعب وسط الملعب الهجمي، ولكن لماذا تم الاعتماد على هذه الطريقة في المباراة الأخيرة؟ هل هو تعديل وتطوير للأفكار في استجابة لمحاولة تخطي قصور معين؟ ولماذا تم الاعتماد على وسط الملعب بدلا من الأطراف؟
كيف من الممكن إيقاف برينتفورد؟
في الحقيقة فإن النمط الذي اتبعه برينتفورد في مباراة وولفز في الجولة السابعة كان محاولة لتعديل الاستراتيجية بعدما قام أنجي بوستيكوجلو مدرب توتنهام بإيجاد طريقة للدفاع أمام بناء اللعب من الخلف، وقد نجح بشكل كبير في إيقاف محاولات برينتفورد للتقدم من الأطراف عبر الرقابة الفردية للأجنحة من أظهرة توتنهام والضغط العنيف أحيانا لاستخلاص الكرة، بجانب الضغط من الأجنحة على أظهرة برينتفورد في حال وصلت لهم الكرة، مع استمرار ملاحقة سولانكي للكرة بين قلبي الدفاع وخلفه ماديسون لمنع التمرير بين الخطوط.
في حال نجح الخط الخلفي لبرينتفورد في الخروج بالكرة نحو الأطراف فهنا يتدخل بنتانكور وكولوسيفسكي للزيادة العددية وعمل مصيدة للجناح، ومن ثم في النهاية استخلاص الكرة وإعادة الاستحواذ لصالح توتنهام. ما ساهم في ذلك هو الجودة الفردية لأودوجي وبيدرو بورو في الضغط على حامل الكرة وملاحقته حتى ثلث ملعبه الدفاعي، ومن ثم التقدم واستغلال التحول الهجومي لصالح الفريق لتشكيل خطورة هجومية.
عند النظر إلى أماكن نهاية التمريرات في هذه المباراة، نجد نجاحا كبيرا في تقليل التمريرات نحو وسط الملعب وإجبار برينتفورد على تدوير الكرة في الخط الخلفي في محاولة للوصول لثغرة تساعد في الخروج من الضغط، مع ملاحظة التمريرات الخاطئة (النقاط باللون الأحمر) التي قام بها فريق برينتفورد والتي تكثر على الأطراف الدفاعية تحديدا، ما يعني ضغطا عنيفا من توتنهام ورقابة لصيقة لمنع التدرج بالكرة.
بالطريقة نفسها استطاع جوارديولا في الشوط الثاني إيقاف محاولات برينتفورد، وذلك بالقيام بتغييرين بين الشوطين بنزول رودري وجفارديول بدلا من كوفاسيتش و ريكو لويس، ما يعني التحامات أكثر عددا وحدة أعلى في استرجاع الكرة، بجانب وجود جفارديول في موقف متقدم من الملعب مقارنة بريكو لويس ما يتيح له منع المحاولة من مراحلها الأولى قبل تخطيها لثلث الملعب الدفاعي لبرينتفورد، وتولي أكانجي مهمة الدفاع في المساحة خلف جفارديول مع تحرك رودري لرقابة اللاعب الحر في وسط الملعب، بالتالي خيارات أقل للتمريربالنسبة لبرينتفورد يصاحبها فرصة أعلى للسيتي في استعادة الاستحواذ وبناء اللعب.
خطوة قادمة لفريق أكبر؟
باستمرار المستويات الجيدة التي يقدمها توماس فرانك مع فريق برينتفورد مع مراعاة فارق الجودة الضخم بين لاعبيه ولاعبي الستة الكبار على سبيل الخصوص، وكونه على الدوام خصما عنيدا لأكبر المنافسين، فإن ذلك بالتأكيد من شأنه أن يمنحه فرصا للانتقال لتدريب فرق على مستوى أعلى ولديها لاعبين بجودة أفضل، بجانب ميزانية أكبر للإنفاق على الصفقات ما يعطيه أريحية في اختيار الصفقات المناسبة لطريقة لعبه وعلى نفس القدر من الجودة التي تمتاز بها أفكاره، ولكن هل ستكون المخاطرة و التضحية بإرثه والهوية التي شكلها في برينتفورد تستحق مغامرة من هذا النوع؟ لا أحد يعلم، ولكن الأكيد أنه من بين المدربين التكتيكيين الأفضل في الدوري الإنجليزي حتى بشهادة منافسيه، و أنه استطاع أن ينتزع هذا الاحترام من الجميع، وأن يجعل من برينتفورد رقما صعبا على مدار المواسم التي قضاها في الدوري الأمتع في العالم.















الله يوفقك ويجازيك خير عن تحليلك الانيق ده بس ممكن تساعدنا وتقولنا لو عاوزين ندخل موضوع التكتيكات ده ازاي في كتب نقراها وكده يعني وشكرا🤍
تحليل مميز يا يحيى . . الله يعطيك العافية . . لواحد من أكثر المدربين المجتهدين في القارة الاوروبية واللي بدون أدنى شك سيكون في مكان أكبر في المستقبل القريب .