رحلة تكتيكية في عقل فابيان هوتسلر - بناء اللعب (1)
تحليل لأفكار مدرب برايتون الجديد فابيان هوتسلر في مراحل اللعب المختلفة أثناء حيازة الكرة، وطريقة تفاعله مع متغيرات المباراة
“من كل مدرب ومن كل فرصة، أحاول أن أتعلم شيئًا ما لأنني أحب مشاهدة كرة القدم، وأحب التعلم”
في تجربته الأولى على مستوى الأندية بعد موسمين من العمل في المراحل السنية للمنتخب الألماني بين موسمي 18/19 و 19/20، انتقل المدرب الشاب الحاصل على رخصة التدريب الأعلى من الاتحاد الأوروبي (UEFA Pro License) للعمل في الجهاز الفني لفريق سانت باولي الذي كان ينافس في دوري الدرجة الثانية الألمانية، حيث تدرج في المناصب كمدير مساعد أولا حتى نجح في الموسم السابق 23/24 في قيادة الفريق نحو البوندسليجا كمدير فني وبطل للدوري للمرة الأولى على الإطلاق في تاريخ النادي، بجانب العودة إلى دوري الأضواء للمرة الأولى منذ عام 10/11 بعد غياب طويل.
مع بداية شهر يوليو من العام الحالي وخلفا للمدرب الإيطالي روبرتو دي زيربي، أعلن نادي برايتون وبشكل رسمي تعيينه للمدرب الألماني فابيان هوتسلر البالغ من العمر 31 عاما كمدير فني جديد للفريق، في خطوة جريئة بناء على أنه مدرب لا يمتلك اسما براقا كما هو معتادا في هذا المستوى من المنافسة، بجانب حداثة سنه ما يجعله عند تعيينه أصغر مدرب في تاريخ الدوري الإنجليزي على الإطلاق، ولكن هذه النوعية من المجازفة ليست غريبة على برايتون تحديدا، حيث برر توني بلوم رئيس النادي هذا القرار بالقول أنه “كان دائما خيارا مناسبا وقد لفت انتباهنا بعمله الاستثنائي في سانت باولي على مدار الـ 18 شهرًا الماضية“
يتحدث هوتسلر عن نفسه قائلا:
“من كل مدرب ومن كل فرصة، أحاول أن أتعلم شيئًا ما لأنني أحب مشاهدة كرة القدم، وأحب التعلم”
ثم يتحدث عن المدربين الملهمين له وكيف يكون منهجيته التدريبية وأفكاره عن كرة القدم فيقول:
“هناك الكثير من المدربين الألمان الذين أحاول الحصول على بعض العناصر من سلوكهم، ولكن أيضًا في الدوري الإنجليزي الممتاز عندما تنظر إلى كيفية قيام بيب جوارديولا وأرتيتا بتحويل فرقهم إلى فرق عالمية، يمكنك استخراج هذه العناصر ثم أفكر فيما إذا كانت هذه العناصر تناسب أسلوبي. وإذا لم تكن كذلك، فإنني أتركها جانباً. وإذا كانت كذلك، فإنني أحاول إدخالها في أسلوبي”
انطلاقة على قدر التطلعات؟
بسبع نقاط في المركز الثاني بالتساوي مع أرسنال ونيوكاسل، وخلف أرسنال وليفربول الحائزين على العلامة الكاملة بتسع نقاط، تعد البداية جيدة جدا مع الأخد في الاعتبار أنها أول مبارياته على الإطلاق في الدوري الإنجليزي، ولكن ما يهمنا هنا هي الأفكار التكتيكية التي يتبعها المدرب، ومدى فاعليتها على أرض الملعب، حيث قابل برايتون في مبارياته الثلاث الأولى إيفرتون الذي انتصر عليه بثلاثية، أعقبه انتصار في الدقائق الأخيرة بثنائية مقابل هدف لمانشستر يونايتد، ومن ثم تعادل صعب أمام أرسنال على ملعب الإمارات. في هذا المقال نبدأ بمناقشة مرحلة بناء اللعب، والبقية تأتي لاحقا.
في مرحلة بناء اللعب يعتمد برايتون على هيكل يتبع الرسم التكتيكي 4-3-3 ويتكون من رباعي دفاعي مكون من قلبي دفاع و ظهيرين، وأمام قلبي الدفاع يتواجد بشكل أساسي متوسط ميدان دفاعي كرأس مثلث قد ينضم إليه أحد ثنائي وسط الميدان الهجومي، مع وجود الجناحين في الثلث الأوسط بعرض الملعب واقتراب المهاجم من دائرة المنتصف. بالتأكيد تحدث بعض التغيرات أثناء المباراة كتفاعل مع ضغط الخصم، وعلى أساسها يستطيع الفريق إيجاد أفضلية عددية أو تكتيكية للخروج من الضغط والوصول لوسط الملعب.
اعتمد مانشستر يونايتد خلال المباراة على الضغط برسم تكتيكي 4-2-3-1 بالاعتماد على برونو فيرنانديز للضغط على حامل الكرة في الخط الخلفي -وقد يتحول أحيانا إلى 4-4-2 بانضمام ماونت إلى برونو في الخط الأول للضغط- خلفه ماونت لمنع تمرير الكرة نحو جيلمور، بجانب راشفورد وديالو في أنصاف المساحات لمنع توجيه الكرة للأطراف. كوبي ماينوو وكاسيميرو كانا مكلفين بتأمين وسط الملعب ورقابة المساحة بين خطوط الضغط في حال تقدم ميلنر أو جواو بيدرو إليها، بينما كانت مهمة مزراوي ودالوت هي رقابة الأجنحة مينته وميتوما على الأطراف ومنع وصول الكرة إليهم، وأخيرا قلبي الدفاع ماجواير وليساندرو مارتينيز كانا يمنعان اختراق ويلباك والركض في المساحة بينهما نحو مرمى أونانا.
على مستوى الخط الخلفي يتواجد دانك و فان هيكي قلبي الدفاع على حدود منطقة الجزاء كخيارات تمرير متاحة عند وصول الكرة لستيل حارس المرمى، وكذلك لتوسيع المسافة التي سيضطر برونو فيرنانديز -وسينضم إليه ماونت لاحقا خلال المباراة- للركض خلالها ملاحقا للكرة، بجانب وجود هينشلوود وفيلتمان بمحاذاة خط التماس لمحاولة الابتعاد عن ديالو وراشفورد المكلفين برقابة أنصاف المساحات، جيلمور على قوس منطقة الجزاء لمحاولة توفير حلول للتقدم بالكرة بجانب مساندة ميلنر و جواو بيدرو في العودة للثلث الأوسط للملعب في محاولة لإشغال ماينوو وكاسيميرو المكلفين برقابة وسط الملعب، وإعطاء مساحة أمان كافية لقلبي الدفاع للتقدم وحمل الكرة بعيدا عن منطقة الجزاء ودفع خطوط ضغط اليونايتد للخلف قليلا، نهاية بميتوما ومينته اللذان بتواجدهما بعرض الملعب يمنعان تقدم أظهرة اليونايتد للضغط بجانب توفرهما كخيار تمرير لتشكيل الخطورة في الثلث الأخير عبر الانطلاق وحمل الكرة للأمام.
من الأفكار التي اعتمد عليها برايتون لمحاولة كسر الضغط هي حمل الكرة والتقدم بها نحو الثلث الأوسط، وذلك من خلال فان هيكي في محاولة لإرسال التمريرة الكاسرة للخطوط نحو جواو بيدرو المتحرك بعرض الملعب، بجانب عودة ميلنر للوسط لإشغال كوبي ماينوو ومنعه من الضغط على حامل الكرة، بالتالي إنجاح الخطة وإخراج أكبر عدد ممكن من اللاعبين من منظومة الضغط.
ويلباك كان له دور مهم في الخروج بالكرة نحو الثلث الأوسط عبر عودته لوسط الملعب وسحب ليساندرو مارتينيز المكلف برقابته، وبالتالي تفريغ المساحة خلفه أولا، وفي نفس الوقت استقبال التمريرة العمودية نحو وسط الملعب ومن ثم توجيهها نحو الطرف الأيمن حيث كان يتواجد فيها ميلنر بشكل أساسي.
من الأفكار الذكية التي كان يعتمد عليها كذلك برايتون في خلخلة الخط الخلفي لليونايتد هي محاولة أحد الجناحين التقدم نحو وسط الملعب وسحب ظهير اليونايتد المكلف برقابته نحو الأمام وإخرجه من مكانه (مثال على ذلك ميتوما في الصورة أدناه) بالتالي تفريغ المساحة خلفه إما للظهير أو لوسط الملعب الهجومي لشغلها والتواجد في موقف يسمح له بأفضلية عددية في حال تقدمت الكرة باتجاه الأطراف.
فكرة أخرى يتم من خلالها الاعتماد على الكرات الطويلة نحو المنتصف، ولكن لا بد من توفير المساحة المناسبة لويلباك لاستلام الكرة بأريحية ومن ثم توجيهها للأطراف؛ ولذلك يعود ميلنر للخلف بجانب جيلمور كوسط ملعب دفاعي، والهدف من هذا التغيير التكتيكي هو سحب كاسيميرو المكلف برقابة وسط الملعب إلى الأمام أكثر، ما يعني مسافات أكبر بين الخطوط وأريحية أكثر بالنسبة لويلباك في استلام الكرة وإخراج ليساندرو مارتينيز من تمركزه، بالتالي يتحرك الجناح مينته في المساحة التي تشكلت خلفه، ويكون الظهير فيلتمان قادرا على استلام التمريرة من ويلباك في مساحة فارغة تماما، ومن ثم التقدم للأمام.


أمام أرسنال كان الأمر أصعب بعض الشيء، حيث كان أرسنال يضغط بحدة عبر خمسة لاعبين حول منطقة جزاء برايتون: أوديجارد وهافرتز أحدهما للضغط على حامل الكرة والاخر لإغلاق مسار التمرير باتجاه الجهة الأخرى، ما يعني الإجبار على تمرير الكرة في مسار واحد نحو أحد الطرفين، ومع تواجد ساكا وتروسارد في أنصاف المساحات فإن ذلك يحفزهم للضغط حال وصول الكرة للأطراف، بجانب وجود رايس و بارتي في الثلث الأوسط ما يعني صعوبة بناء اللعب من خلال التمريرات القصيرة؛ ذلك ما كان يجبر لاعبي برايتون على محاولة الخروج من الضغط عبر إرسال الكرة الطويلة نحو وسط الملعب، ولكنها كانت فاشلة في أغلب الأحيان بسبب وجود لاعبين أمثال صليبا وجابرييل لديهم القدرة على التعامل مع التمريرات الطويلة والنجاح في الثنائيات الهوائية بسبب طول قامتهما الكبير مقارنة بليساندرو مارتينيز في مباراة مانشستر، ما يمنح أرسنال الأفضلية في استرجاع الكرة وإعادة الاستحواذ من جديد.



في محاولة للتغلب على ضغط أرسنال، تحرك الظهير الأيسر هينشلوود لداخل الملعب بجوار باليبا متوسط الملعب الدفاعي، وبانضمام حارس المرمى فيربروجن للخط الأول يتشكل تفوق عددي بخمس لاعبين من برايتون مقابل رباعي أرسنال، مع مساحة خلف ساكا يستطيع جواو بيدرو التقدم خلالها، وفي نفس الوقت مساحة كافية على الأطراف لفيلتمان لاستلام الكرة على الطرف الأيمن.
كان الهدف من وصول الكرة على الطرف نحو فيلتمان هو تحرير العياري من رقابة تروسارد، واخراج تروسارد -الذي اندفع نحو الطرف لافتكاك الكرة- من تمركزه تاركا العياري حرا، ولكن في طريق العياري لاستلام التمريرة الساقطة وجد جابرييل قادما لافتكاك الكرة واستعادة الاستحواذ من جديد.


يتبع…








